الغزالي
195
فضائح الباطنية
سليمان : يا أبا حازم ! أي عباد الله أكرم ؟ قال : « أهل المروءة والتقى » . قال : أي الأعمال أفضل ؟ قال : « أداء الفرائض مع اجتناب المحارم » . قال : فأي الدعاء أسمع ؟ قال : « دعاء المحسن إليه للمحسنين » . قال : فأىّ الصدقة أزكى ؟ قال : « صدقة على السائل الناس ، وجهد المقل ليس فيها منّ ولا أذى » . قال : فأي القول أعدل ؟ قال : « قول الحق عند من يخاف ويرجى » . قال : فأي المؤمنين أكيس ؟ قال : رجل عمل بطاعة الله تعالى وذكر الناس عليها » . قال : فأي المؤمنين أفسق ؟ قال : « رجل أخطأ في هوى أحبه وهو ظالم باع آخرته بدنيا غيره » . قال سليمان : فما تقول فيما نحن فيه ؟ فقال : « يا أمير المؤمنين ! أو تعفيني ؟ » قال : لا ، ولكن نصيحة تلقيها إلى . قال : « يا أمير المؤمنين ! إن آباءك قهروا الناس بالسيف وأخذوا هذا الملك عنوة من غير مشورة من المسلمين ولا رضى أحد ، حتى قتلوا ، وقد قتلوا قتلة عظيمة . وقد ارتحلوا . فلو شعرت ما قالوا وما قيل لهم ! » فقال له رجل من جلسائه : بئس ما قلت ! قال أبو حازم : « إن الله تعالى أخذ الميثاق على العلماء ليبيننّه للناس ولا يكتمونه » فقال : كيف لنا أن نصلح هذا الفساد ؟ فقال : « أن تأخذه من حله ، وتضعه في حقه » . فقال : ادع لي ! قال أبو حازم : « اللهم إن كان سليمان وليك فيسره لخير الدنيا والآخرة ؛ وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى » . فقال سليمان : أوصني ! قال : « أوصيك وأوجز : عظّم ربك ، ونزهه أن يراك حيث نهاك ، أو يفقدك حيث أمرك » . وقد حكى عن أبي قلابة « 1 » أنه دخل على عمر بن عبد العزيز فقال له : يا أبا قلابة ! عظني ! فقال : « يا أمير المؤمنين ! إنه لم يبق من لدن آدم صلى اللّه عليه وسلم إلى يومنا هذا خليفة غيرك » . قال له : زدني ! قال : « أنت أول خليفة يموت ؟ » . قال : زدني ! قال إذا كان الله معك فمن تخاف ؟ إذا كان عليك فمن ترجو » قال : حسبي !
--> ( 1 ) أبو قلابة الجرمي : « عبد الله بن زيد البصري الإمام ؛ طلب للقضاء فهرب ، ونزل الشام فنزل بداريا . وكان رأسا في العلم والعمل . سمع من سمرة وجماعة . ومناظرته مع علماء عصره في القسامة بحضرة عمر بن عبد العزيز - مشهورة في الصحيح » وتوفى سنة 104 ه وقيل سنة 107 ه ، وقال ابن معين سنة ست أو سبع .